أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

66

التوحيد

دليلهم على ذلك سوى وجود العالم فأوجبوا حدثه ، وقالوا : ذلك بمحدث . ثم قالت المعتزلة في اللّه سبحانه : إنه كان غير خالق ولا رحمن ولا رحيم ، وهو اليوم كذلك ، فصيّروه في أول أحواله ما وقع للخلق به العلم ، غير خال عن الحوادث كالعالم الذي وجدوه بالحس غير خال عنها ، فصار السبب الذي عرفوا حدث العالم به هو الذي به عرفوا حدث الخالق الرحمن ، واللّه قديم لم يزل . ثم بعد هذا وجهان : أحدهما أنه إذا لزم القول في جملة العالم بالحدث - وإن لم نشهده بوجودنا - ما شهدنا منه غير خال من الإحداث للزم ذلك في الصانع الخالق لوجودنا له ما به نسمّيه حدثا . والثاني أنه قد وجب قدم ذاته ، مع ما لا يعلم وجوده إلا بحوادث لم لا وجب القول بقدم جملة العالم وإن كان غير خال عن الحوادث ؟ وبعد ، فإن معرفة احتمال الحوادث فيما لا يحسّ من العالم بما أضيف إليه من الاجتماع والافتراق والتحرك والسكون ، فاللّه على قولهم يضاف إليه الرحمة والصنع والإبداع والإعادة ، وكل هذا عندهم حوادث ، فيجب القول فيه بما يجب في العالم ، ويكون لمن هو بهذا الوصف خالق صانع خارج من ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وقالت المعتزلة : كان اللّه سبحانه ، ثم حدث منه إرادة ، كان بها العالم من غير أن كان منه إياها إحداث أو إرادة أو لها اختيار ؛ إذ لا غير لها سوى ذاته ، وقد كان ذاك قبلها . وكذلك قالت المجوس أن كان اللّه سبحانه ، فحدثت فكرة رديئة كان منها الشيطان ، وهو الذي كان به كل شر ، فسمّت المجوس تلك فكرة ، وسمّتها المعتزلة إرادة واختيارا ، وكان حدوثها لا باختيار وإرادة ، فهي بالفكرة أشبه ، ثم لم تكن هي غير الشر ، ولا الإرادة عند المعتزلة غير العالم . فهذا واللّه أعلم معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « القدرية مجوس هذه الأمة » « 1 » . وبعد ، فإن العالم عندهم إذ لا يخلو عن اجتماع وافتراق ، وزوال وقرار ، وهذه أحوال احتمل كونها بغير اللّه ، على ما يكون من اجتماع آجر السّفن والبنيان ، والكتابة ونحوها ، وكذلك التفريق ، وعلى ما كان سير الشمس والقمر وحركات الخلق وسكونهم ، ولا عالم بدون وجود هذين النوعين من الأعراض والأجسام ، وكان ذلك جملة يحتمل الكون باللّه وبالخلق ، فكان العالم جملة يحتمل الكون باللّه وبالخلق ، فكان العالم جملة بعدد ، وذلك قول الزنادقة باثنين ، وأصحاب الطبائع والنجوم بأكثر من اثنين . وبعد ، فإن اللّه جل ثناؤه لم يقم على قولهم حجة إحداثه سوى العالم ، ولا

--> ( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ، كتاب الإيمان ، حديث رقم ( 286 ) [ 1 / 159 ] وأبو داود في سننه ، باب في القدر ، حديث رقم ( 4691 ) [ 4 / 222 ] ورواه غيرهما .